الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

191

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ولما كان ظاهر هذا التعبير لا يطابق الواقع في نظر المفسرين ، ولما كان إبراهيم نبيا معصوما ولا يكذب أبدا ، فقد ذكروا تفاسير مختلفة ، وأفضلها كما يبدو هو : إن إبراهيم ( عليه السلام ) قد نسب العمل إلى كبير الأصنام قطعا ، إلا أن كل القرائن تشهد أنه لم يكن جادا في قصده ، بل كان يريد أن يزعزع عقائد الوثنيين الخرافية الواهية ، ويفندها أمامهم ، ويفهم هؤلاء أن هذه الأحجار والأخشاب التي لا حياة فيها ذليلة وعاجزة إلى الحد الذي لا تستطيع أن تتكلم بجملة واحدة تستنجد بعبادها ، فكيف يريدون منها أن تحل معضلاتهم ؟ ! ونظير هذا التعبير كثير في محادثاتنا اليومية ، فنحن إذا أردنا إبطال أقوال الطرف المقابل نضع أمامه مسلماته على هيئة الأمر أو الإخبار أو الاستفهام ، وهذا ليس كذبا أبدا ، بل الكذب هو القول الذي لا يمتلك القرينة معه . وفي رواية عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في كتاب الكافي : " إنما قال : بل فعله كبيرهم ، إرادة الإصلاح ، ودلالة على أنهم لا يفعلون " ثم قال : " والله ما فعلوه وما كذب " . واحتمل جمع من المفسرين أن إبراهيم قد أدى هذا المطلب بشكل جملة شرطية وقال : إن الأصنام إذا كانت تتكلم فإنها قد فعلت هذا الفعل ، ومن المسلم أن هذا التعبير لم يكن خلاف الواقع ، لأن الأصنام لم تكن تتكلم ، ولم تكن قد أقدمت على مثل هذا العمل ، ولم يصدر منها ، ووردت رواية في مضمون هذا التفسير أيضا . إلا أن التفسير الأول يبدو هو الأقرب ، لأن الجملة الشرطية " إن كانوا ينطقون " جواب الطلب في " فاسألوهم " ، وليست شرطا لجملة " بل فعله كبيرهم " . ( فلاحظوا بدقة ) . واللطيفة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها هي : إن العبارة هي أنه يجب أن